محمد غازي عرابي
741
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
( انشقت اليهود عن إحدى وسبعين فرقة ، وانشقت النصارى عن اثنتين وسبعين فرقة وستنشق أمتي عن ثلاث وسبعين فرقة ) . فالخلاف ضرورة وجودية ، ولو شاء اللّه ما اختلف بنو إسرائيل ولا النصارى ولا المسلمون ، ولكن اللّه شاء لهذه الأمم أن تختلف لتختلف المعقولات فتتقابل وتتناقض وتنشق وتنفلق فيخرج من شجرة المعقولات الزهر ثم الثمر ثم يجنى هذا الثمر . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 77 ] وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 ) [ النمل : 77 ] كون القرآن هدى ورحمة فيه لطيفة ، فهو سبحانه القائل في موضع آخر : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [ الإسراء : 45 ، 46 ] ، فالقرآن أصله نور ، وهو نور ، فمن كان في قلبه نور وإن كان مستورا كان القرآن له هدى وذلك بتحريك النور فيه ، وهذا ما حدث لعمر بن الخطاب الذي كان شديدا على المسلمين في البداية ، ولكنه كان طيب المعدن ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أدرى به ولهذا دعا ربه : ( اللهم أيد الإسلام بعمر أو أبي جهل ) ، فأسلم عمر رضي اللّه عنه ، وكان له دوره العظيم في نصرة الإسلام وإرساء قواعده ، ومن هذا المنظور قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ) . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 78 ] إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 78 ) [ النمل : 78 ] حكمه حكم الأسماء ، ولهذا رد الأمر إلى القضاء الذي هو أم الكتاب وكتاب المعادلات العلمية السابق على عكس القدر الذي هو بمثابة التكتيك العسكري قابل للإنفاذ والإبرام والتغيير والتبديل . وحكم الأسماء ثابت ، وتنفيذه يكون عن طريق الربوبية ، ولهذا جاء الخطاب في الآية من الرب لا من اللّه أو من الحق ، إذ الربوبية مقام التنفيذ والفعل . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 79 إلى 81 ] فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ( 79 ) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 80 ) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 81 ) [ النمل : 79 ، 81 ] الموتى هنا بمثابة المعنى البعيد للجهل ، فالجاهل ميت وإن كان حيا ، أصم لا يسمع الدعاء لأن على قلبه قفلا ، والخطاب إلى النبي الذي كان يحزن إذا ما ولى بعض الناس عنه مدبرين ، والعمي من على أبصارهم غشاوة ، والغشاوة قلبية تحول بين القلب والهدى ، والأمر منوط بالمشيئة المسبقة التي قضت بوجوب الجنة وأهلها والنار وأهلها .